محمد جمال الدين القاسمي

460

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ثم نزل فذبحه . وأخذ ذلك عنه الجهم بن صفوان . فأنكر أن يكون اللّه يتكلم . ثم نافق المسلمين فأقر بلفظ الكلام وقال : كلامه يخلق في محل كالهواء وورق الشجر . ودخل بعض أهل الكلام أو الجدل ، من المنتسبين إلى الإسلام ، من المعتزلة ونحوهم ، في بعض مقالة الصابئة والمشركين . متعاقبة للجعد والجهم . وكان مبدأ ذلك أن الصابئة في الخلق على قولين : منهم من يقول : إن السماوات مخلوقة بعد أن لم تكن . كما أخبرت بذلك الرسل وكتب اللّه تعالى . ومنهم من ابتدع فقال : بل هي قديمة أزلية . لم تزل موجودة بوجود الأول واجب الوجود بنفسه . ومنهم من قد ينكر الصانع بالكلية . ولهم مقالات كثيرة الاضطراب ، في الخلق والبعث والمبدأ والمعاد . لأنهم لم يكونوا معتصمين بحبل من اللّه تعالى يجمعهم . والظنون لا تجمع الناس في مثل هذه الأمور . التي تعجز الآراء عن درك حقائقها إلا بوحي من اللّه تعالى . وهم إنما يناظر بعضهم بعضا بالقياس المأخوذ مقدماته من الأمور الطبيعية السفلية . وقوى الطبائع الموجودة في التراب والماء والهواء . والحيوان والمعدن والنبات . ويريدون بهذه المقدمات السفلية أن ينالوا معرفة اللّه ، وعلم ما فوق السماوات . وأول الأمر وآخره . وهذا غلط بيّن . اعترف أساطينهم بأن هذا غير ممكن . وأنهم لا سبيل لهم إلى إدراك اليقين . وأنهم إن يتبعون إلا الظن . فلما كان حال هذه الصائبة المبتدعة الضالة ومن أضلوه من اليهود والنصارى ، وكان قد اتصل كلامهم ببعض من لم يهتد بهدى اللّه الذي بعث به رسله ، من أهل الكلام والجدل - صاروا يريدون أن يأخذوا مآخذهم . كما أخبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بقوله « 1 » : لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع . قالوا يا رسول اللّه ! فارس والروم ؟ قال : ومن الناس إلا فارس والروم ؟ فاحتجوا على حدوث العالم بنحو من مسالك هذه الصابئة . وهو الكلام في الأجسام والأعراض . بأن تثبت الأعراض ثم يثبت لزومها للأجسام . ثم حدوثها . ثم يقال ما لا يسبق الحوادث فهو حادث . واعتمد كثير من أهل الجدل على هذا في إثبات حدوث العالم . فلما رأوا أن الأعراض ، التي هي الصفات ، تدل عندهم على حدوث الموصوف الحامل للأعراض - التزموا نفيها عن اللّه . لأن ثبوتها مستلزم حدوثه . وبطلان دليل حدوث العالم الذي اعتقدوا أن لا دليل سواه بل ربما اعتقدوا أنه لا

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الاعتصام ، 14 - باب قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « لتتبعن سنن من كان قبلكم ، حديث 2589 ونصه : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها ، شبرا بشبر وذراعا بذراع » فقيل : يا رسول الله ! كفارس والروم ؟ قال « ومن الناس إلا أولئك » ؟